محمد بن جرير الطبري
304
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
شيئا ، وأنه معني به كل مولود لستة أشهر كان ولادة ، أو لسبعة أو لتسعة فأما قولنا : إنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه غاية الرضاع ؛ فلأَن الله تعالى ذكره لما حد في ذلك حدا ، كان غير جائز أن يكون ما وراء حده موافقا في الحكم ما دونه ، لأَن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن للحد معنى معقول وإذا كان ذلك كذلك ، فلا شك أن الذي هو دون الحولين من الأَجل لما كان وقت رضاع ، كان ما وراءه غير وقت له ، وأنه وقت لترك الرضاع ، وأن تمام الرضاع لما كان تمام الحولين ، وكان التام من الأَشياء لا معنى إلى الزيادة فيه ، كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين ، وأن ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرما ، كان ما وراءه غير محرم وإنما قلنا هو دلالة على أنه معني به كل مولود لأَي وقت كان ولادة ، لستة أشهر ، أو سبعة ، أو تسعة ، لأَن الله تعالى ذكره عم بقوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ولم يخصص به بعض المولودين دون بعض وقد دللنا على فساد القول بالخصوص بغير بيان الله تعالى ذكره ذلك في كتابه ، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأَحكام " بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع فإن قال لنا قائل : فإن الله تعالى ذكره قد بين ذلك بقوله : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فجعل ذلك حدا للمعنيين كليهما ، فغير جائز أن يكون حمل ورضاع أكثر من الحد الذي حده الله تعالى ذكره ، فما نقص من مدة الحمل عن تسعة أشهر ، فهو مزيد في مدة الرضاع وما زيد في مدة الحمل نقص من مدة الرضاع ، وغير جائز أن يجاوز بهما كليهما مدة ثلاثين شهرا ، كما حده الله تعالى ذكره ؟ قيل له : فقد يجب أن يكون مدة الحمل على هذه المقالة إن بلغت حولين كاملين ، ألا يرضع المولود إلا ستة أشهر ، وإن بلغت أربع سنين أن يبطل الرضاع فلا ترضع ، لأَن الحمل قد استغرق الثلاثين شهرا وجاوز غايته أو يزعم قائل هذه المقالة أن مدة الحمل لن تجاوز تسعة أشهر ، فيخرج من قول جميع الحجة ، ويكابر الموجود والمشاهد ، وكفى بهما حجة على خطأ دعواه إن ادعى ذلك ، فإلى أي الأَمرين لجأ قائل هذه المقالة وضح لذوي الفهم فساد قوله فإن قال لنا قائل : فما معنى قوله إن كان الأَمر على ما وصفت : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وقد ذكرت آنفا أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله تعالى ذكره نظير ما دون حده في الحكم ، وقد قلت : إن الحمل والفصال قد يجاوزان ثلاثين شهرا ؟ قيل : إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حدا تعبد عباده بأن لا يجاوزه كما جعل قوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ حدا لرضاع المولود التام الرضاع ، وتعبد العباد بحمل والديه عليه عند اختلافهما فيه ، وإرادة أحدهما الضرار به وذلك أن الأَمر من الله تعالى ذكره إنما يكون فيما يكون للعباد السبيل إلى طاعته بفعله والمعصية بتركه ، فأما ما لم يكن لهم إلى فعله ، ولا إلى تركه سبيل فذلك مما لا يجوز الأَمر به ولا النهي عنه ، ولا التعبد به فإذ كان ذلك كذلك ، وكان الحمل مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته ، ولا إلى إطالتها فيضعنه متى شئن ويتركن وضعه إذا شئن ، كان معلوما أن قوله : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً إنما هو خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خلقه من حملته أمه وولدته وفصلته في ثلاثين شهرا ، لا أمر بأن لا يتجاوز في مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا لما وصفنا ، وكذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فإن ظن ذو غباء ، أن الله تعالى ذكره إذ وصف أن من خلقه من حملته أمه ووضعته وفصلته في ثلاثين شهرا ، فواجب أن يكون جميع خلقه ذلك صفتهم ، وأن ذلك دلالة على أن حمل كل عباده وفصاله ثلاثون شهرا ؛